_____________________________________________________________
يتبنى هذا المقال مدخلاً للتشغيل لم يأخذ الإهتمام الكافى على المستوى الوطنى (الحكومة، القطاع الخاص، مؤسسات التعليم و التدريب، منظمات الأعمال، و وسائل الإعلام ) حتى الآن و الذى يتناسب مع فرص العمل التى يمكن أن يتيحها فى مصر على مدى السنوات القادمة و حجم الدخل بالنقد الأجنبى الناتج عنه . حيث يدعو إلى الإستفادة من الإتجاه العالمى المتنامى فى مجال نقل مهام أداء الخدمات إلى الخارج ( offshore outsourcing services) – أو التعهيد الخارجى للخدمات - من الدول الصناعية المتقدمة إلى دول تتمتع برخص التكلفة من حيث الأجور و البنية الأساسية إضافة إلى توافر قوة عمل متعلمة تجيد لغات أجنبية و التعامل مع نظم المعلومات.
التشغيل
تعود الفائدة الأكبر فيما سنتناوله على قطاع محدد من قوة العمل و الذى يضم الحاصلين على مؤهل فوق المتوسط أو جامعى، و يقدر هؤلاء بحوالى 20% من إجمالى قوة العمل و ينتمى ربع العاطلين فى مصر حالياً إلى هذه الفئة. و يأتى إهتمامنا بهذا القطاع على وجه الخصوص لعدة أسباب، من أهمها:
· إن العائد من تشغيل أفراده يفوق العائد من الفئات الأخرى.
· إن إستثمار المجتمع فى تعليم المنتمين لهذا القطاع يبلغ أضعاف ما استُثمر فيمن لم يحصلوا إلا على مستويات أقل من التعليم.
· من الأسهل نسبياً على هؤلاء الأفراد الإندماج فى الإقتصاد العالمى و التعامل مع التكنولوجيات الحديثة.
تعهيد الخدمات و التعهيد الخارجى:
بدأ منذ عدة عقود إتجاه الشركات الصناعية فى الدول المتقدمة إلى إسناد أو تعهيد تصنيع بعض مكونات منتجاتها إلى شركات أخرى يمكنها تقديمها بالجودة المطلوبة و بتكلفة أقل أو لتمكين الشركة – القائمة بهذا التعهيد – بالتركيز على أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى و تعظيم العائد على أصولها.و على مر السنوات سعت الشركات الصناعية إلى تحقيق مزايا إضافية بتعهيد مهام تصنيع خارج حدود و خاصة فى دول نامية تتمتع بإنخفاض فى الأجور و بتساهل – فى أحيان كثيرة - فى الإشتراطات البيئية و تشريعات العمل. و مع مرور الوقت إنتبهت منشآت الأعمال فى الولايات المتحدة و من ثم فى بقية الدول الصناعية الكبرى إلى أنه يمكن جنى نفس الفوائد فى مجال الخدمات؛ حيث سلكت نفس درب تعهيد التصنيع إلى خارج الحدود فيما يعرف بالتعهيد الخارجى للخدمات ( offshore outsourcing services) منذ منتصف التسعينات من القرن الماضى، و ذلك نتيجة للتقدم الهائل الذى شهده العالم فى تكنولوجيا المعلومات و الإتصالات و إنخفاض تكلفتها و هى شروط ضرورية لتأدية الكثير من الوظائف – فى كثير من الأحيان آنياً - من على بعد آلاف الكيلومترات من متلقى الخدمة. و الوفورات المحققة للشركات التى تنقل وظائفها حسب هذا النهج تتراوح بين 20% و 50% من تكلفة أدائها فى مواطنها الأصلية. و لا تأتى هذه الوفورات لرخص الأجور فى الدول المستقبلة للوظائف فحسب و إنما نتيجة أيضاً لتجميع تلك الأعمال فى عدد أقل من المراكز على مستوى العالم مما يحقق الكفاءة و التخصص.
و من ثم يمكن تقسيم تلك الخدمات المنتقلة أو المهاجرة ذات العمالة المؤهلة معرفياً (جامعيين و ذوى تعليم فوق المتوسط) الكثيفة نسبياً إلى ثلاثة مجموعات رئيسية:
1) تعهيد خدمات إدارة و تشغيل مراكز الإتصال (Outsourcing Call Centers ) و تتضمن وحدات خدمة العملاء و مكاتب المساعدة و مهام الحجز و البيع عبر الهاتف أو البريد الإلكترونى للمؤسسات المالية و شركات الهاتف و شركات الطيران و غيرها.
2) تعهيد خدمات عمليات التشغيل /الأعمال الإجرائية (Outsourcing Business Process ) لأعمال المكاتب الخلفية و المهام الإدارية المساندة فى مجالات مثل: المحاسبة و إمساك الدفاتر و التسويات المالية، إصدار الفواتير و كشوف الحسابات و متابعة التحصيل، إدارة شئون العاملين و المستحقات، وثائق التأمين و التعويضات، عمليات بطاقات الإئتمان و التمويل العقارى إلخ... بل وقد إمتدت أيضاً إلى بعض مهام الشئون القانونية و بحوث الأسواق المالية و إعداد التصميمات الهندسية...
3) تعهيد خدمات تطوير البرمجيات و الخدمات الفنية لتكنولوجيا المعلومات و الإتصالات – أو المعلوماتية إختصاراً ( Information Technology Services Outsourcing )
و يمثل إستيراد الوظائف و تصدير العمل أو سوق "التعهيد الخارجى للخدمات" فرصة ثمينة يتحتم على مصر إقتناصها – قبل فوات الأوان - لخلق عشرات الآلاف من فرص العمل المجزية كل عام للخريجين، تقل تكلفتها كثيراُ عن متوسط تكلفة فرصة العمل فى الصناعة و تزيد عنها فى متوسط الأجر إضافة إلى ما تحققه من طفرة لصادراتنا من الخدمات.
السوق العالمى للتعهيد الخارجى للخدمات:
تعددت الدراسات و المؤشرات المعنية برصد و تحليل السوق العالمى للتعهيد الخارجى للخدمات و التى أجمعت دون إستثناء على نموه المطرد فى المستقبل المنظور و على أنه أصبح واقعاً معترفاً به فى القرن الحادى و العشرين. فقد عنيت منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة و التنمية (UNCTAD) و كذلك منظمة التجارة العالمية (WTO ) فى تقاريرها السنوية الأخيرة بتناول ما يشهده هذا السوق و ما يتوقع له من نمو. كما توسعت العديد من المؤسسات الإستشارية العالمية و مراكز الأبحاث الإقتصادية فى دراسة سوق التعهيد الخارجى للخدمات، بغية إستشراف إتجاهاته و تأثيره على كل من الشركات و الدول المصدرة و المستوردة لتلك الخدمات من حيث سوق العمل و الإستثمار و إقتصاداتها إجمالاً. و تشير التقديرات إلى وصول قيمة تعاملات هذا السوق إلى 160 مليار دولار عام 2009 (مقارنة بـ 30 مليار دولار عام 2002). كما تتفق عدة دراسات منشورة على أنه بحلول عام 2015 ستكون حوالى 3,4 مليون وظيفة قد انتقلت من الولايات المتحدة الأمريكية و 1,2 مليون وظيفة أخرى قد انتقلت من أوروبا بسبب التعهيد الخارجى للخدمات.
و شملت الدراسات أيضا أثر "التعهيد الخارجى للخدمات" على قطاعات بعينها، فقطاع شركات الإتصالات فى الدول المتقدمة وحده سيخفض 14.5 مليار دولار من نفقاته بحلول عام 2008 نتيجة نقله ما يقرب من 5% من قوة العمل فى هذا القطاع أو 275 ألف وظيفة إلى دول أقل تكلفة. كما يقدر لقطاع الخدمات المالية (البنوك و شركات التأمين و الأوراق المالية و التأجير التمويلى و بطاقات الإئتمان و التمويل العقارى) فى الدول المتقدمة أن يشهد هجرة 2 مليون وظيفة بحلول عام 2010 من خلال التعهيد الخارجى للخدمات سعياً وراء الوفر فى النفقات.
و فى قطاع إدارة و تشغيل مراكز الاتصال و خدمة العملاء تقدر مؤسسة داتامونيتور البحثية المتخصصة بأن عدد وظائف خدمة العملاء المنتقلة من مراكز الإتصال فى أوروبا إلى دول شرق أوسطية و أفريقية سيبلغ 40,000 قبل نهاية عام 2007 ؛ و ذلك ضمن دراسة أظهرت إتجاه 5% (أو 241,000 وظيفة) من وظائف خدمة العملاء فى مراكز الاتصال عالمياً إلى الإنتقال لدول أخرى من خلال التعهيد الخارجى.
و هناك العديد من الدراسات و التقديرات القطاعية الأخرى التى يمكن الإستشهاد بها ، و لكن ضيق المساحة يحول دون ذلك.
التنافس الدولى على إستقطاب التعهيد الخارجى للخدمات:
لا شك أن التسابق محموم بين الدول النامية و متوسطة الدخل على إستقطاب أعمال التعهيد الخارجى للخدمات إليها ، و خاصة تلك الدول التى تنبهت قبل غيرها إلى هذا القطاع المستحدث فى مجال تصدير الخدمات و مدى الفرص التى يمثلها من حيث إيجاد فرص عمل لديها و زيادة مواردها من النقد الأجنبى. و تبذل بعض الدول جهوداً دأوبة لإحتلال مكانة متقدمة ضمن تلك الأعلى إستقطاباً لإستثمارات و خدمات التعهيد الخارجى، حيث يلقى هذا الملف إهتماماً بالغاً على كافة المستويات فى جنوب أفريقيا و لا أدل من خطاب "حالة الوطن" السنوى لرئيس الجمهورية ثابو مبيكى أمام البرلمان عام 2003 و الذى أعلن خلاله ضرورة التركيز على خدمات التعهيد "لعمليات التشغيل" و "ادارة مراكز الإتصال" كأولوية إقتصادية قومية. و بالمثل قامت رئيسة الفلبين السابقة جلوريا أرويو بزيارة إلى مدينة نيويورك فى مايو 2003 لتترأس ندوة بعنوان "التعهيد للفلبين" دعى إليها 200 من قادة الشركات الأمريكية و حثتهم خلالها على توجيه بعضاً من الخدمات التى يقومون بتعهيدها إلى الفلبين. و قد أصدرت الحكومة الفلبينية فى عهدها قراراً يمنح الشركات العاملة فى مجال التعهيد الخارجى للخدمات حافز ضريبى بخصم 150% من تكلفة العمالة من وعائها الضريبى.
أما الهند فقد تعاقدت مع و احدة من كبريات شركات العلاقات العامة فى الولايات المتحدة لتحسين صورتها فى مجال التعهيد و بيان أن عشرات الآلاف من الوظائف المهجرة إليها إنما تدعم تنافسية الشركات الأمريكية و تخلق فرص عمل جديدة بها.
بل و قد إمتد الإهتمام و شدة التنافس إلى الترويج لمدن بعينها كقبلة لأعمال التعهيد و العمل على خلق صورة إيجابية عنها لترسخ فى أذهان متخذى القرار فى الشركات العالمية كمقصد مفضل للتعهيد، و منها مدينة بانجالور فى الهند و كيب تاون فى جنوب أفريقيا و سايبرجايا فى ماليزيا و باسيج سيتى فى الفلبين. و بادرت إمارة دبى فى صيف عام 2004 بإطلاق «منطقة دبي للتعهيد»، لتصبح أول منطقة متخصصة لهذا النوع من الأعمال في العالم. أما موريشيوس، و التى تشهد نمواً فى تصدير تلك الخدمات، فقد أنشأت حكومتها "أمانة التعهيد الخارجى للخدمات" تابعة لمجلس الإستثمار الوطنى تعبيراً عن إهتمامها البالغ بهذا القطاع.
كما يلاحظ فى الدول النامية الأكثر إستقطاباً للتعهيد الخارجى للخدمات إقامة منظمات أعمال قوية و فاعلة تختص بقطاع التعهيد الخارجى للخدمات على وجه العموم أو بأحد أفرعه مثل مراكز الإتصال أو تعهيد عمليات التشغيل إلخ... و تتولى تلك المنظمات: الترويج لأعمالها محلياً و دولياً من أجل جذب تعاقدات التعهيد و الإستثمار المباشر فيه ، و التنسيق مع الحكومات و الهيئات التشريعية لتحسين الوضع التنافسى للدولة فى مجال التعهيد ، إضافة إلى رعاية مصالح أعضائها و تنظيم شئونهم ووضع أسس لتصنيف المنشآت و مستويات الخدمة التى تقدمها و ما يرتبط بها من معايير للجودة ، و تَبنى برامج التدريب و التأهيل اللازمة. و من أمثلة تلك المنظمات و الإتحادات : الإتحاد الوطنى لشركات البرمجيات و الخدمات فى الهند NASSCOM و إتحاد مراكز الإتصال فى الفلبين CCAP و إتحاد إدارة خدمات العملاء و مراكز الإتصال فى ماليزيا CCAM و منظمة CallingTheCape فى جنوب أفريقيا، و مجلس مراكز الإتصال فى سنغافورا.
و يتشابه التعهيد الخارجى للخدمات مع قطاع السياحة فى كون معيار إختيار الدولة و المفاضلة بينها و بين دولة أخرى يأتى فى المقام الأول و قبل تحديد الشركة التى يمكن أن تنقل إليها أعمال من خلال التعهيد. لذا تلجأ الشركات الراغبة فى التعهيد الخارجى لخدماتها إلى دراسة تفصيلية لأوضاع الدول محل الإعتبار و تتخذ قرارها بناءاً على عدة عناصر و معايير، و أهمها: حجم قوة العمل فى الدولة و مستويات و جودة تعليمها و مدى توافر المهارات فى التخصصات المطلوبة ، مدى إنتشار و إجادة لغة الأجنبية أو أكثر ، مدى توافر طبقة من المديرين المحترفين ، تكلفة العمالة، مستويات الأجور عامة و بخاصة للمهارات المطلوبة ، مدى التوافق الثقافى بين مجتمع الدولة الناقلة للخدمات و الدولة المستقطبة لتلك الأعمال، مدى تقدم البنية الأساسية فى الدولة المقصودة و خاصة فى مجال الإتصالات، مدى تطور البيئة التشريعية فى الدولة المقصودة و ملاءمة القوانين بها: تنظيم الإتصالات، حماية البيانات و الملكية الفكرية، قوانين العمل، ضمانات الإستثمار إلخ...
و لا يجب إغفال أن علاقة تعهيد الخدمات هى غالباً طويلة الأمد و تتطلب جهد ووقت و تكلفة من الجهة الناقلة لأعمالها حيث أن أى خلل بها أو إضطراب فى مستويات الخدمة يؤثر على أعمال الشركة و فى معظم الأحيان على علاقاتها بعملائها، و من ثم تتأنى ادارات الشركات فى إتخاذ قراراتها فى هذا الشأن (و أولها الدولة المختارة) حيث تستعين بالإستشاريين المتخصصين و تلجأ لما هو منشور من دراسات – صادرة من مؤسسات الأبحاث المشهود لها فى هذا المجال - للإستئناس بها و دعم توصياتها لمجالس إدارات شركاتها.
و أهم دراستين فى مجال تصنيف الدول من حيث جاذبيتها لإستقطاب خدمات التعهيد على مستوى العالم صدرتا فى العامين الماضيين هما لمؤسسة A.T. Kearney و مؤسسة Gartner و فيما يلى ملخص نتائجهما:
فى تصنيفها الصادر عام 2005 ، إستخدمت مؤسسة A.T. Kearney ثلاثة مجموعات من المعايير تتعلق "بالتكلفة و الجوانب المالية"، و "بقوة العمل و المهارات المتاحة"، إضافة إلى "بيئة الأعمال و البنية الأساسية" (ضمت مجتمعة 39 عنصراً للتقييم و المفاضلة). و أسفرت عن إحتلال الهند و الصين و ماليزيا لرأس القائمة من حيث الجاذبية لإستقطاب أعمال "التعهيد الخارجى للخدمات" ، أما مصر فقد حازت على المركز الثانى عشر. أما مؤسسة Gartner فقد صنفت الدول ضمن أربعة فئات (دول قائدة ، دول متحدية، دول على أول الطريق، و دول مبتدءة) من حيث نجاحها فى أعمال التعهيد الخارجى للخدمات و جاذبيتها لإستقطاب المزيد. و قد ظهرت مصر ضمن الدول التى هى على أول الطريق.
و تتسيد الهند بلا جدال قائمة الدول المستقطبة لتلك اللقمة السائغة من فرص العمل، حيث كان لها قصب السبق فى هذا المضمار إضافة لما تتمتع به من وفرة فى العمالة المتعلمة المجيدة للغة الإنجليزية مع إنخفاض أجورها. و قد حققت الهند إيرادات بلغت 19.5 مليار دولار عام 2005 من تصدير خدمات "التعهيد الخارجى" بزيادة نسبتها 33% عن العام السابق له. و يمكن تصنيف تلك الصادرات حسب نوع الخدمة المقدمة إلى:
· 6.2 مليار دولار فى مجالى خدمات إدارة و تشغيل مراكز الإتصال ( Call Centers ) ، و خدمات عمليات التشغيل ( Business Process ) . و قد ساهمت تلك الخدمات فى خلق 415 ألف فرصة عمل بالهند.
· 13.3 مليار دولار من مجال تطوير البرمجيات و خدمات المعلوماتية الأخرى، أوجدت 878 ألف وظيفة.
و قد أعلن الإتحاد الوطنى لشركات البرمجيات و الخدمات فى الهند NASSCOM مؤخراً عن ثقته فى أن صادرات الهند من خدمات التعهيد الخارجى ستصل إلى 60 مليار دولار بنهاية عام 2010.
و لا يفوتنا فى ختام هذا الجزء أن نذكر أن الدول النامية الأ كثر نجاحاً فى مجال التعهيد الخارجى للخدمات، لم تكتفى بما يكتسبه خريجيها من معارف و مهارات من مؤسسات التعليم العالى بها و إنما أقامت معاهد متخصصة لصقل المهارات فى المجالات ذات الصلة بالتعهيد الخارجى للخدمات، و ذلك بغية توفير عمالة مدربة تزيد من تنافسية شركاتها على الفوز بعقود تصدير الخدمات أو إجتذاب شركات عالمية لتأسيس كيانات تابعة لها لهذا الغرض. و من الأمثلة تلك المنشآت التدريبية نجد: IT Enabled Services Institute فى ولاية اندرابرادش فى الهند، و معهد مراكز الإتصال فى جنوب أفريقيا و أكاديمية مراكز الإتصال بالفلبين. و كذا معهد Asia Call Center Link فى الفلبين أيضاً.
كما أن الحكومات و منظمات الأعمال المعنية بالتعهيد الخارجى للخدمات تشجع المنشآت المنتمية إليها على الحصول على شهادات إعتماد تأهيل ( certification ) فى المجالات ذات العلاقة : جودة الأداء، تأمين البيانات، تقييم و إعتماد البرمجيات إلخ... إضافة إلى شهادات إعتماد تأهيل الأفراد للعاملين بها، و ذلك لزيادة مصداقية و تنافسية تلك المنشآت دولياً فى سوق التعهيد.
حجم خدمات التعهيد الممكن إجتذابها لمصر و المزايا المتوقعة:
بداية يصعب تحديد أرقام مستهدفة لما يمكن إستقطابه من أعمال التعهيد الخارجى لتحقيق طفرة هائلة فى صادراتنا من الخدمات و إيجاد عشرات الآلاف من فرص العمل الجديدة سنوياً إضافة إلى الإستثمار المباشر FDI المصاحب لها فى كثير من الأحيان ، و لكن نقدم فى هذا الشأن إجتهادات فى تقدير حجم سوق يمكن الوصول إليه خلال ثلاثة أعوام من التخطيط و العمل الجاد و التوعية و الترويج، تتضافر فيها جهود الجهات الحكومية المعنية و القطاع الخاص و مؤسسات التعليم و التدريب و منظمات الأعمال و الجمعيات المهنية:
فلو بدأنا برقم 160 مليار دولار لخدمات التعهيد الخارجى المقدرة لعام 2009 بإفتراض أنه سيتحقق (و هو ليس أعلى التقديرات)، و إفترضنا أن 20% من هذه الخدمات فقط (من "تشغيل عمليات" و "إدارة مراكز إتصال" و "خدمات معلوماتية") هى من التى يمكن تأديتها فى مصر، و سعينا لحصة لا تزيد عن 5% إلى 6% من هذه الشريحة الصغيرة نسبياً لكنا بصدد صادرات سنوية من خدمات التعهيد بكافة أنواعها تتراوح بين 1,5 مليار و 2 مليار دولار، تساهم فى إيجاد 80,000 وظيفة إضافية مجزية.
أما لو قارننا بالدولة ذات السبق فى هذا المجال، أى أخذنا الهند كمقياس للمقارنة ، نجد أن نسبة عدد السكان لدينا هى 1: 15 من الهند (و نتقارب فى نسبة الأمية)؛ و عدد الملتحقين بالجامعات و المعاهد العليا فى مصر 1.2 مليون طالب و فى الهند 8,2 مليون بنسبة 7:1 تقريباً ، من حيث الكم على الأقل (و تزيد نسبة الملتحقين بالمدارس بجميع مراحلها فى مصر عنها فى الهند بحوالى 38%). و يمكن أيضاً و نحن بصدد المقارنة أن نلجأ إلى بعض المؤشرات الأخرى مثل: مؤشر النمو التنافسي ( Growth Competitiveness Index ) لعام 2005 و الذى يصدره المنتدى الإقتصادى العالمى: حيث تحتل الهند المرتبة 50 و مصر المرتبة 53 من 117 دولة. و مؤشر الإستعداد المعلوماتى ( Networked Readiness Index ) لعامى 2004 و الصادر من المنتدى الإقتصادى العالمى أيضاً: الهند ترتيبها 39 و مصر 57.
لذا فلو إفترضنا إستهداف محاولة محاكاة الهند بدرجة نجاح لا تزيد عن 40% إلى 50% بعد أخذ نسبة عدد الملتحقين بالجامعات فى الإعتبار (أى القياس على أساس 7:1 من صادرات الهند من خدمات التعهيد المحققة فعلياً عام 2005 متجاهلين أنها تنمو سنوياً بمعدلات تزيد عن 30%) فيكون الممكن توقعه لمصر صادرات سنوية من خدمات التعهيد تتراوح بين 1.1 مليار و 1.4 مليار دولار.
و عند المقارنة مع الهند أو السعى لمنافستها نجد بعض الإعتبارات الواجب أخذها فى الحسبان:
· أن نجاح الهند و النمو المتعاظم لحصتها السوقية من أعمال التعهيد الخارجى للخدمات يعد سلاح ذو حدين. فالهند من ناحية أكثر خبرة و شهرة فى هذا المجال و أكثر جاذبية و إستعداداً لما هو آت؛ و من ناحية أخرى يشكل هذا التركيز و التراكم لتلك الأعمال لديها ضغوطاً على العمالة المؤهلة المتاحة تؤدى إلى إرتفاع تكلفتها تدريجياً ، كما أن المخاطر المحتملة للشركات العالمية المرتبطة بتركيز حجم هائل من الأعمال فى دولة نامية و احدة و منطقة جغرافية واحدة سيدفعها إلى الحرص على بعض التنويع فى الدول و المناطق التى تقصدها لتعهيد خدماتها.
· تعد مصر أقرب من حيث الموقع الجغرافى و التوقيت لكثير من الدول الصناعية الناقلة لخدماتها للخارج، و خاصة أوروبا و الساحل الشرقى لأمريكا الشمالية.
· يشكل العالم العربى (300 مليون نسمة) سوقاً لا يستهان به، و ترتبط به خدمات تتطلب إستخدام اللغة العربية (مثل مراكز الإتصال، و البرمجيات ، و المحتوى الإلكترونى ، و أعمال مالية و إدارية أخرى...)، و هى ميزة أخرى نسبية لمصر.
و بصرف النظر عن حجم الأعمال الممكن إستهدافها و النجاح فى الحصول عليها و توقيته، فلا شك أن وضع التعهيد الخارجى للخدمات كأولوية إقتصادية لمصر يحقق لها عدداً من المزايا الهامة، و التى يمكن تلخيصها فى ما يلى:
1. الإنخفاض النسبى لتكلفة فرصة العمل فى هذا المجال مقارنة بها فى الصناعة و السياحة.
2. تتمتع بميزة عدم الحاجة لتوطين الوظائف فى القاهرة الكبرى و إنما يمكن أن تتواجد فى محافظات أخرى مثل الأسكندرية و بورسعيد و أسيوط و المنصورة غيرها، و كلها تتمتع بوفرة فى أصحاب الكفاءات و بنية إتصالات متقدمة ، مما يقضى على مشكلة تركز أغلب فرص العمل المجزية حول العاصمة.
3. إعتمادها إلى حد كبير على توظيف الشباب و من تخصصات مختلفة: معلوماتية ، إدارة، محاسبة، لغات، هندسة...
4. تعظيم الإستفادة من البنية التحتية فى مجال الإتصالات و البنية البشرية الفنية التى إستثمرت فيها الدولة على مدى السنوات الماضية.
5. زيادة فرص جذب الإستثمار المباشر لمصر لإقامة شركات فى مجال التعهيد أو المشاركة مع أطراف محلية.
6. زيادة فرص إحتكاك العاملين المصريين من خلال التعهيد الخارجى للخدمات بالشركات العالمية و نظم عملها و أساليب إدارتها و تلقيهم لبرامج تدريب متقدمة مما ينمى المهارات الوطنية فى هذا المجال و يشكل ميزة بشرية لإستقطاب إستثمارات مباشرة و مشروعات دولية أكثر مستقبلاً فى القطاعات الإقتصادية التقليدية.
7. إيجاد مصدر هام إضافى لمواردنا من النقد الأجنبى من ناتج تصدير العمل.
وضع مصر الحالى بالنسبة لسوق التعهيد الخارجى للخدمات:
بعد ما سبق عرضه يأتى التساؤل المنطقى عن وضع مصر التنافسى الحالى فى السوق العالمى للتعهيد الخارجى للخدمات، و هو ما يتم تناوله بالنسبة لكل مجال من مجالاته الرئيسية:
التعهيد الخارجى لخدمات المعلوماتية (تطوير البرمجيات و تكنولوجيا المعلومات و الإتصالات):
لا شك أن قطاع المعلوماتية فى أى دولة يلعب دوراً رئيسياً فى إتاحية و إنجاح التعهيد الخارجى للخدمات ، فهو أولاً عليه توفير بنية متطورة و منظمة للإتصالات يمكن الإعتماد عليها على أن تكون أسعارها تنافسية ، و بدون تحقق تلك الشروط لا يمكن تصدير مثل تلك الخدمات. و ثانياُ يمثل أحد ثلاثة مجالات للتعهيد الخارجى: أى أعمال البرمجيات و خدمات تكنولوجيا المعلومات و الإتصالات المقدمة لدول أخرى.
و قد قطعت جمهورية مصر العربية شوطاً جديراً بالإشادة فى مجال بنية تكنولوجيا المعلومات و الإتصالات ، و خاصة منذ إنشاء وزارة مختصة بهذا القطاع لأول مرة فى أكتوبر 1999 (بعد أن كانت الهيئة القومية للإتصالات تتبع وزارة النقل و المواصلات و خدمات الإنترنت و بعض أنشطة التدريب فى مجال المعلوماتية تتبع مركز المعلومات و دعم إتخاذ القرار). و يعد إقرار قوانين حماية الملكية الفكرية ، و تنظيم الإتصالات ، و قانون التوقيع الإلكترونى ، إنجازات هامة فى ما يتعلق بالبنية التشريعية المطلوبة لهذا القطاع. كما أن إنشاء "جهاز تنظيم الإتصالات" و مؤخراً "هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات" أوجد كيانات مؤسسية ضرورية لتنظيم و تنمية السوق المعنى. و خيراً فعلت الوزارة بتأسيس مركزاً لتقييم واعتماد مستوي الشركات العاملة بالبرمجيات و هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط وأفريقيا لتقييم واعتماد هندسة البرمجيات و يقوم بعقد دورات تدريبية لتأهيل الخبراء المصريين لتقييم الشركات من خلال نموذج CMMI واعتماد التقييم على المستوي الدولي من معهد هندسة البرمجيات (S.E.I) التابع لجامعة كارنجي ميلون بالولايات المتحدة الأمريكية , حيث انه هو الجهة الوحيدة المنوط بها هذا الاعتماد.
و فى مجال إعداد الكوادر البشرية فقد تبنت وزارة الإتصالات و المعلومات تنفيذ عدة برامج طموحة للتدريب الأساسى (95 ألف متدرب) و المتخصص و الراقى (20 ألف متدرب) بالتعاون مع شركات عالمية فى الأعوام القليلة الماضية.
و بحسب آخر تقديرات متاحة فقد بلغ عدد الشركات العاملة فى حقل الإتصالات و تكنولوجيا المعلومات 1123 شركة بإستثمارات تفوق 9 مليار جنيه ( لشركات الهاتف المحمول نصيب كبير منها) و توظف نحو 35 ألف مصرى. و تقدر صادرات تلك الشركات من البرمجيات و خدمات المعلوماتية بزهاء 200 مليون دولار للعام الماضى . و فى مصر أقل من عشر شركات للبرمجيات حاصلة على شهادة CMMI .
و قد شهد نوفمبر 2004 إعلان برنامج تحديث الصناعة بمصر عن تمويله لمشروع يستهدف رفع مستوى تنافسية 50 شركة مصرية فى مجال البرمجيات و خدمات تكنولوجيا المعلومات، و ذلك بالإستعانة بجهات إستشارية خارجية ووطنية. و من أهم أهداف هذا المشروع و الذى سيستغرق 13 تنفيذه شهراً بدءاً من أبريل 2005 ، دعم مقدرة الشركات المستفيدة من حيث الإدارة و التسويق و رقابة الجودة بهدف زيادة حجم صادراتها و تعاملاتها مع الأسواق الخارجية.
التعهيد الخارجى لخدمات إدارة و تشغيل مراكز الإتصال و خدمة العملاء:
أما شركات تعهيد خدمات مراكز الإتصال فى مصر فيبلغ عددها خمسة حالياً ، تضم حوالى من ألفى موظف خدمة عملاء ، أقل من نصفهم لخدمة عملاء خارج البلاد عن طريق التعهيد الخارجى. بينما إقترب عدد العاملين فى مراكز الإتصال فى دولة مثل جنوب أفريقيا من الأربعين ألف و فى الفلبين فاق الثلاثين ألفاً. و فى تطور إيجابى بهذا الخصوص، طرحت وزارة الإتصالات و المعلومات العام الماضى مناقصة بين الشركات المتخصصة لتدريب 800 شاب مصرى سنوياً (بواقع 280 ساعة للفرد) على أعمال مراكز الإتصال و خدمة العملاء. كذلك إستضافت مصر فى مطلع يونيو 2006– و لأول مرة – مؤتمر عالمى للتعهيد الخارجى لخدمات مراكز الإتصال.
التعهيد الخارجى لخدمات تشغيل العمليات:
لم نستدل إلا على نشاط محدود جداً فى مصر لتصدير خدمات تشغيل العمليات ( Business Process Outsourcing ) من خلال التعهيد، و و يكاد يقتصر على خدمة إعداد السجلات الطبية لحساب مؤسسات صحية فى الولايات المتحدة ، و نجزم أنه لا توجد شركات فى مصر تعمل فى مجال التعهيد الخارجى لأعمال محاسبية و إدارية و مهام شئون العاملين و خدمات تسويات مالية و تحصيل إلخ...فعلى سبيل المثال دولة موريشيوس الواقعة فى المحيط الهندى قبالة ساحل جنوب أفريقيا و سكانها 1,5 مليون نسمة بها أكثر من 60 شركة تتخصص فى أعمال التعهيد الخارجى للخدمات، منها 22 فى مجال خدمات تشغيل العمليات.
و يتبقى لنا الإشارة إلى الكيانات المؤسسية المصرية ذات العلاقة بأعمال التعهيد الخارجى فى مصر فى المجالات السابق ذكرها. فنجد الجهات الرسمية المناط بها التنظيم و تنمية السوق و بناء المهارات و الترويج الخارجى إكتملت بالنسبة لمجال المعلوماتية، و الوضع أقل و ضوحاً فيما يتعلق بمراكز الإتصال. أما مجال تعهيد خدمات تشغيل العمليات فلا تختص أى جهة رسمية حالياً بأى مهام ترتبط به.
و نجد منظمات الأعمال و الإتحادات و الجمعيات المهنية ذات العلاقة محدودة بمجال المعلوماتية فقط (و تشمل "غرفة صناعة البرمجيات و تكنولوجيا المعلومات و الإتصالات" بإتحاد الصناعات المصرية، و "المجلس السلعى للبرمجيات و التكنولوجيا المتقدمة"، و "الجمعية المصرية للبرمجيات" و "الجمعية المصرية للتكنولوجيا المتقدمة" – و قد إندمجت الأخيرتان فى نوفمبر 2004 فى ما يسمى بالإتحاد المصرى لتكنولوجيا المعلومات و الإلكترونيات و البرمجيات EITESAL ) و هى حتى الآن كيانات تفتقر إلى قوة التأثير و الموارد الضرورية لتحقيق الأهداف الطموحة السابق طرحها. و من ثم لا توجد كيانات معنية بالتعهيد الخارجى للخدمات (أو أحد فروعه مثل "مراكز الإتصال" أو "تشغيل العمليات").
******